حسن عبدالوارث
أحببت ُعبدالناصر
الساعة 11:09 صباحاً
حسن عبدالوارث

(اليوم 23 يوليو.. وفي مثل هذا اليوم -من كل عام- يُحلّق في الأفق العربي طيف الزعيم الخالد "أبي خالد".. وترتسم في الذاكرة العروبية سطور من نور تتشكّل أحفوراً عسجدياً ومزموراً أبجدياً لتُشكّل في سِفْر التاريخ القومي المجيد اسماً لا يُمحى ونصباً لا يُدحى).
*  *  *
يومَ مات الزعيم جمال عبدالناصر في 28 سبتمبر 1970، كنتُ في طور الطفولة، ولم أكن قد سمعتُ به الاَّ اذا مرَّ ذِكْرهُ بمسمعي بدون وعي مني بهويته. لكنني صُدمتُ حينها من طوفان الدموع الذي فوجئتُ به ينداح أمامي، والصرخات الباكية التي ضجّت قبالتي من جميع من صادفتُ في البيت والحارة والشوارع المجاورة التي راحت تتداعى كقطع الدومينو تحت ضغط الحزن ووطأة الفجيعة.
وازداد هول الصدمة حين ذهبت لشراء الشيكولاتة كالعادة، فوجدت جميع المحلات قد أغلقت أبوابها، ووجدت الناس يهرعون في الطرقات على غير هدى، أو يتكوّمون حول المذياع الكبير الشبيه بالصندوق والمُعلّق على أحد جدران المقهى، لعلّهم يسمعون ما يُكذّب الخبر الذي هزَّ أعماقهم هزَّاً عنيفاً وأصاب مداركهم بالشلل التام.
أما النسوة فكانت صيحاتهن تتجاوز الحارات والشوارع حتى تخالها بلغت تخوم الجوزاء . وبرغم أنهن متشحات بالسواد طوال حياتهن، الاَّ أنها المرة الأولى التي كان فيها للأسود سبب وللسواد معنى.
- ماذا حدث؟
- مات جمال!
ومنذ تلك اللحظة، لم أنْسَ هذا الاسم قط. وكلما أمتد بي العمر ، أتعرّف أكثر على صاحبه، مما أسمعه عنه من أبي وأقاربي ومعلّمي في المدرسة، ثم مما أقرأ عنه في الصحف والكتب أو مما أشاهده في التلفاز. ثم خلصتْ معرفتي بالرجل إلى أنه لم يكن رئيس دولة -كما كنتُ أعتقد في بادىء الأمر- إنما كان زعيم أمّة، أو "ربّ أسرة" كما كان يصفه أبي.
...
لم أكن يوماً ناصرياً.. لكنني أحببت عبدالناصر..
لم أستلطف يوماً الأحزاب الناصرية ووثائقها النظرية.. لكنني أحببت عبدالناصر..
لم أجد يوماً مبرراً وجيهاً لوحشية أجهزة الأمن في عهد عبدالناصر.. لكنني أحببت عبدالناصر..
في البدء أحببت عبدالناصر لأنني رأيت أبي يحبه بقدر يكاد يكون مساوياً لمحبته للنبي محمد، وأنا أعرف أن أبي لا يحب الاَّ الخير والحق والجمال.. لكنني بعد أن بزغ شاربي السياسي ولحيتي الثقافية، أدركت أنني أحببت عبدالناصر الانسان لا السلطان، الحالم لا الحاكم، ابن الفقير البوسطجي ومُلهِم المثقف الثورجي وحبيب القهوجي والعربجي.
ولذا فقد حكمت على عبدالناصر في نطاق ظرفه التاريخي، لا خارجه.
لم أهتم حينها بايوان السلطة التي كان ناصر رمزها الأسطوري.. فقد علّمتني الأيام أن جميع الأنظمة العربية والعالمثالثية -بدون استثناء- تتفنّن في صناعة القهر وزراعة الفقر وابداع القمع على ظهور ورقاب شعوبها .. وأن جميع الأحزاب والتنظيمات -دون استثناء- مجرد عصابات بكل ما في الكلمة من معنى قاموسي وبوليسي، وأن وثائقها النظرية مجرد أوراق مرحاض من النوع الرديء والرخيص.. تستوي في ذلك الناصرية بالبعثية، واليسارية باليمينية، واليسارية بالدينية، والليبرالية بالمهلبية!
...
لم ينغمس ناصر يوماً في ملذات الحياة الخاصة بما تعج به من خمور ونساء وسهرات صاخبة وحفلات ماجنة.. كما كانت حياته السرية طبق الأصل لحياته العلنية.. ودائرته العائلية لا تشوبها شائبة كدائرته السياسية.. برغم أن عدداً من رفاقه وأصدقائه ومرؤوسيه سرحوا ومرحوا في الموبقات ، أكانت شهوانية ذاتية أو سادية مجتمعية، بل خلطوا الاثنتين في كأس واحدة.
وقد ظل يأكل ويلبس من طعام ولباس أبناء الطبقة الوسطى المصرية والعربية، وهي الطبقة التي جاء من كفافها وظل في أعطافها . ولهذا فان أفراد عائلته لم يعرفوا من الأطعمة سوى التقليدية البسيطة (تلك المؤلفة من الخضار والأرز واللحم والسمك والخبز والفول والجبنة البيضاء) فيما كان طعامه -هو- أبسط من ذلك حتى، الأمر الذي كان يشكل عبئاً على رفاق سفره وسفرته، وحين كان هؤلاء يرتبون أمورهم مع الطباخ ليقدم لهم أطباقاً شهية وأصنافاً بديعة، كان عبدالناصر يتطلّع اليها قائلاً بسخرية: انها تعج بالألوان كالاعلانات في المجلات الأمريكية!
ويوم مات عبدالناصر لم يكن في حسابه المصرفي سوى 610 جنيهات مصرية!
...
لم يكن جمال عبدالناصر ملاكاً، ولا كان يوماً نبيّاً.. كما لم يكن كائناً خارقاً، أو معصوماً من الخطأ وربما الخطيئة. لكنه كان زعيماً وطنياً وقومياً من طراز خاص. أستطاع أن يلتف حول الجماهير ويلتف بها حوله، فكان مشروعاً متطوراً للزعيم الجامع المانع، بل كان رمزاً حياً وقائداً متقدماً للمشاريع المستحيلة.
وبالرغم من أخطاء عبدالناصر في الحكم والحلم.. وعلى الرغم من كل تلك الرتوش التي أُضيفت الى صورته بعد مماته (أكانت رتوش التشويه أو التجميل) تظل تجربته في ادارة شؤون السياسة والحكم قابلة للنقد والدراسة ولاعادة النظر في الموقف منها على غير صعيد.
وبالضرورة أن الدروس المستخلصة من حياة عبدالناصر -السياسية والشخصية- كثيرة غزيرة.. وأول من يجب أن يستفيد منها هو الحاكم العربي الذي لم يعد يحظى بثقة جماهيره على الاطلاق. ويكفي أن نعرف أن المؤسسة الاستخبارية الأكبر والأخطر في العالم يوم حاولت رشوة واستقطاب ناصر بالمال، وراح يشيّد بذلك المال صرحاً شامخاً للأنفة والرفعة والنزاهة والصمود، كان جُلّ رؤساء وملوك العرب -من سابقيه ومعاصريه ثم لاحقيه- مجرد مُخبرين لدى تلك المؤسسة بمرتبات سنوية!
...
لستُ أكتب بصدد الحديث عن الأدوار التاريخية للزعيم العربي الحقيقي والوحيد، في ضخّ الروح الوقّادة في حركات التحرر العربية والعالمية.. ولا بصدد الاجراءات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها مصر في عهده وصارت بوصلة لعدد من الدول والشعوب حينها وبعدها.. ولا عن مكانته القيادية والكارزمية في مجرى مناهضة الاستعمار والصهيونية والرجعية وفي النضال من أجل تحقيق الوحدة العربية.
فهذه الصفات وغيرها كتب عنها عديدون بلغة الوقائع والوثائق والمعلومات والأرقام وبما يُجسّد حقائق الحدث وكواليسه وماوراء تداعياته ونتائجه. والمكتبات والمتاحف ومراكز البحث ومؤسسات العلم ومراكز .

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص
أخترنا لكم
اختيارات القراء
  • اليوم
  • الأسبوع
  • الشهر
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقاً
زيارة رئيس الوزراء للجبهات الأمامية في كرش
الحوثي وصالح .. حلف الشر في اليمن