ناطحات السحاب في الخليج

«واشنطن بوست» تشرح الأسباب.. لماذا تبني السعودية ومن قبلها الإمارات أطول مبانٍ في العالم؟

في الوقت الراهن، يُعتبر برج خليفة في دبي أطول مبنى بالعالم، ويبلغ طوله 828 متراً، ويزعم المبنى على نحو متباهٍ أنَّه يمتلك أكبر عدد من الطوابق، وأعلى منصة مراقبة خارجية.. إلخ.

لكن في غضون سنتين، سوف يكون أطول مبنى بالعالم مستقراً في ملكية «استبدادية» أخرى بشبه الجزيرة العربية، إذ سوف يبلغ طول برج جدة، الجاري إنشاؤه في المملكة العربية السعودية، ألف متر، وسوف تتجاوز تكلفة بنائه مليار دولار.

برج خليفة في إمارة دبي
برج خليفة في إمارة دبي

وفي مقالة كتبها هاكون جيرلوف زميل دكتوراه بقسم العلوم السياسية في جامعة أوسلو، وكارل هنريك كنوتسن أستاذ للعلوم السياسية بجامعة أوسلو، في صحيفة The Washington Post الأمريكية، في بحث لهما حول فلسفة بناء هذا البرج، قالا إنه «ليس من قبيل المصادفة أن يكون كلا هذين الهيكلين العملاقين المكلفين موجودين في أنظمة استبدادية». إذ ناقشا في مقال حديث نُشر لهما بمجلة Political Research Quarterly، كيف يميل القادة الاستبداديون إلى الإنفاق أكثر من القادة الديمقراطيين على مشروعات أقل إنتاجية. تكون هذه المشروعات أكثر تكلفة بالنسبة للمجتمع بشكل عام، لكنَّ أولئك القادة يفضلون إنفاق الأموال لأسباب شخصية.

التفسير التاريخي

يقول الباحثان إنه تاريخياً، كانت القلاع الضخمة والكنائس والمعابد أمثلة نموذجية لهذه المشروعات المبنية بإيعاز من القادة، ونزعم أنَّ ناطحة السحاب تلك مجرد مثال أحدث للظاهرة ذاتها. ذلك أنَّ التكاليف المرتفعة للمشروعات غالباً ما تُملي استخدام تمويل الدولة أو سياسات أخرى، لضمان إتمام المبنى. ويعني هذا أنَّ النخب السياسية عادة ما تضطلع بدور محوري من الناحية العملية، لا سيما في الدول الاستبدادية. أما تمويل مشروعات البنية التحتية باهظة الثمن، والتي لا تعود على السكان بفوائد واضحة، فأمر يصعب فعله على القادة في الدول الديمقراطية.

وباستخدام بيانات متعلقة ببناء ناطحات السحاب من جميع أنحاء العالم منذ عام 1900، نجد دليلاً منهجياً على أنَّ الأنظمة المستبدة تبني ناطحات سحاب جديدة أكثر من الأنظمة الديمقراطية. ونجد أيضاً أنَّ الأنظمة الاستبدادية تبني ناطحات سحاب أكثر إهداراً للأموال. فعلى سبيل المثال، تضيف الأنظمة الاستبدادية على نحو منهجي مزيداً من الأطوال الرأسية المفرطة غير المأهولة بأعلى ناطحات السحاب التي تبنيها، أكثر من الأنظمة الديمقراطية.

لماذا يتابع القادة الإنفاق بإسراف؟

إليكم السؤال المهم: لِم قد ينفق القادة الموارد العامة على مشروعات تكلف أكثر من العوائد المتوقع لها تحقيقها؟ جوابنا البسيط أنَّ مثل هذه المشروعات يمكن أن تصب في المصلحة الشخصية للقائد. فالقصور الباهظة الثمن، على سبيل المثال، تحقق مكاسب شخصية واضحة للقادة، لأنها قد تكون بمنزلة مساكن مريحة لهم.

لكنَّ المباني الباهظة التكلفة تخدم أغراضاً سياسية أخرى، ويمكن أن تكون رموزاً تُشكل تصورات كل من المنافسين الأجانب والمحليين حول قدرات النظام أو ثرائه. فناطحة السحاب الطويلة المذهلة تَجلب الاهتمام والمكانة للبلد، ومن ثم لقيادة هذا البلد.

ومع ذلك، فإنَّ مشروعات البناء المكلفة تهدر الموارد العامة التي كان من الممكن استخدامها في المدارس أو المستشفيات أو الاحتياجات الأخرى. ويصبح هذا الأمر مسألة حرجة ويساعد على شرح السبب الذي من أجله تميل الأنظمة الديمقراطية إلى بناء ناطحات سحاب أقل عدداً وأقل إهداراً من الأنظمة الاستبدادية.

ففي الأنظمة الديمقراطية ذات الانتخابات التنافسية، ربما يريد القادة تجنب التبذير في الإنفاق، ويركزون على المشروعات التي تحظى بشعبية أكبر للناخبين، وهذا ما يساعد الحكومات على البقاء في السلطة. وربما تزيد المنافذ الإعلامية المستقلة من تعزيز هذا الحافز، إذ إنَّها تحظى بِحُرية أكبر في النظم الديمقراطية للكشف عن المعلومات حول الإنفاق المفرط، ونشر هذه المعلومات ليطالعها المواطنون.

في الواقع، فإنَّ تحليلنا الإحصائي يشير إلى أنَّ وسائل الإعلام القوية الحرة عامل مهم في الحَد من بناء ناطحات السحاب الباهظة بالأنظمة الديمقراطية.

إليك الطريقة التي نقيس بها ناطحات السحاب والأنظمة

تشير عدة أدلة متناقلة وغير موثقة إلى أنَّ الحكام المستبدين في فترات زمنية ومناطق مختلفة بجميع أنحاء العالم، يميلون على نحو خاص إلى تنفيذ مشروعات مُبدِّدة للمال العام. خذ، على سبيل المثال، الملك لويس الرابع عشر وقصره العملاق في فرساي، والذي ربما يكون قد كلف دافعي الضرائب الفرنسيين في القرنين الـ17 والـ18 مليارات الدولارات.

خذ مثالاً آخر من الثمانينيات: كنيسة سيدة السلام التي بناها الرئيس الإيفواري فيليكس هوفويت-بواني في مسقط رأسه، ياموسوكرو. قلدت هذه الكنيسة كاتدرائية القديس بطرس في روما، مضيفة 30 متراً إضافية، ومضاعفة الدَّين القومي وفقاً لبعض التقديرات.

ومع ذلك، فقد أثبت الأمر أنَّ من الصعب إيجاد تدابير قابلة للمقارنة عابرة للبلدان والأزمان، للسماح للباحثين باختبار ما إذا كانت ثمة علاقة منهجية بين نوع النظام والمشروعات المسرفة. ولحسن الحظ، فقد عثرنا على مركز «Skyscraper Center«، الذي يسجل ميزات جميع ناطحات السحاب في العالم، والمعرَّفة بأنها المباني التي يبلغ طولها أكثر من 150 متراً. بعد ذلك نسقنا هذه البيانات ودمجناها بالبيانات المتعلقة بالأنظمة السياسية من مؤسسة Varieties of Democracy (V-Dem).

في تحليلنا، أدمجنا جميع ناطحات السحاب التي بُنيت بعد عام 1900 في أكثر من 150 بلداً، مستثنين مبانيَ بعينها مثل المباني الصناعية ذات المداخن الطويلة وأبراج الاتصالات. وكذا فقد بلغ مجموع ناطحات السحاب وثيقة الصلة التي نظرنا فيها 4704 ناطحات سحاب.

إليكم ما وجدناه: نعم، ثمة علاقة كبيرة بين وجود نظام استبدادي وما يتلو ذلك من بناء ناطحات سحاب جديدة. هذه العلاقة ليس سببها صفات أخرى مثل مستوى الدخل، أو الدخل المستمد من النفط أو الموارد الطبيعية الأخرى، أو حجم السكان. وليس الأمر راجعاً إلى كون ناطحات السحاب أكثر شعبية في بلدان بعينها لأسباب ثقافية أو جغرافية -فكِّر في الصين أو السعودية- بل إنَّ نتائجنا تظل سليمة حتى عند استخلاصها من المقارنة داخل البلدان فحسب، في حين تصبح هذه الدول أكثر أو أقل ديمقراطية بمرور الوقت.

مباني الأنظمة الاستبدادية أكثر إسرافاً

نجد أيضاً دليلاً واضحاً على أنَّ الأنظمة الاستبدادية تبني ناطحات سحاب أكثر إسرافاً من الأنظمة الديمقراطية، إذ نجد نمطاً منهجياً في ناطحات السحاب بالبلدان الاستبدادية يتمثل في وجود مزيد من الأمتار الإضافية، تقاس من أعلى طابق مشغول إلى السطح المعماري للمبنى. ويُعتبر برج خليفة مثالاً على ذلك: فبينما يبلغ طول البرج 282 متراً، فإنَّ 244 متراً من هذا الطول (29% منه) هي في واقع الأمر «زينة» موضوعة فوق أعلى طابق مشغول.

وتتبع عملية بناء ناطحات السحاب في الأنظمة الديمقراطية بإحكام التحضر والتنمية الاقتصادية، وهو ما يشير إلى وجود مسوِّغ اقتصادي لبنائها. وفي المقابل، نجد أنَّ الأنظمة الاستبدادية بالدول الريفية تبني عدداً متساوياً من ناطحات السحاب للعدد الموجود في البلدان الأكثر حضرية. ويقدم هذا الاكتشاف مؤشراً آخر غير مباشر على أنَّ الدوافع السياسية، لا الاقتصادية، هي ما يكون وراء كثير من مشروعات ناطحات السحاب في الأنظمة المستبدة بجميع أنحاء العالم.

نسعد بمشاركتك
إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص
عدن الغد