صورة تعبيرية

العيد لم يعد قادراً على جمع شمل اليمنيين.. تقرير

لم يجد وضاح المقطري بداً من الاعتذار لأخيه لعدم قدرته على مشاركته في عرسه الذي من المقرر أن يقام ثاني أيام عيد الأضحى المبارك، وذلك بسبب تعقيدات السفر والتنقل بين المدن اليمنية، وهي التعقيدات التي أنتجتها الحرب التي تشهدها البلاد منذ نهاية مارس 2015، ولازالت مستمرة.
بحرقة وأسى يتحدث المقطري لــ”المشاهد” بالقول إنه اعتذر عن عدم حضور عرس أخيه الأصغر بسبب صعوبة السفر من صنعاء حيث يقيم، إلى منطقة المقاطرة في ريف الحجرية جنوب مدينة تعز، حيث أصبح السفر أكثر صعوبة، خصوصاً لمن لديه أسرة كحالته، وذلك بسبب طول الطريق نتيجة المرور في طرق مستحدثة جعلت السفر من صنعاء إلى تعز (جنوبي غرب اليمن) يستغرق أكثر من 16 ساعة، بعد أن كان يستغرق 5 ساعات فقط.
ومن الصعوبات الأخرى التي تحول دون سفر المقطري وغيره، الزيادة في التكاليف المالية، حيث إن السفر مع عائلته والإقامة لمدة أسبوع لقضاء الإجازة، سيكلفه أكثر من نصف مليون ريال في الحد الأدنى، ما جعله يعتذر لأخيه الذي تقبل الاعتذار برحابة صدر، خصوصاً وأن الأوضاع معروفة، ويعاني منها الجميع.
قبل اندلاع الحرب كان من عادة اليمنيين أن يعودوا بشكل جماعات وفرادى من المدن وأماكن أعمالهم، مع أسرهم، إلى الأرياف، لقضاء إجازة العيد بصحبة العائلة الكبيرة، في أجواء اجتماعية استثنائية، بخاصة في عيد الأضحى الذي يطلق عليه اليمنيون اسم “العيد الكبير”، باعتباره أهم الأعياد الدينية.
وبسبب هذا التجمع كان اليمنيون يحرصون على أن تكون الأعياد الدينية هي مواسم أفراحهم، حيث تكثر الأعراس والمناسبات الاجتماعية كالخطوبة وعقد القرآن والزفاف، نتيجة تواجد أهل العروس والعريس على حد سواء، وهذا يضفي على الأعياد جرعات إضافية من البهجة والفرح.
لكن الأمر لم يعد كذلك، حيث لم تعد الأعياد الدينية قادرة على لم شمل الأسر اليمنية في زمن الحرب، بسبب التعقيدات التي فرضتها الحرب وأسفرت عنها.

صعوبة التنقل في المدينة الواحدة

بالإضافة إلى تدهور الوضع الاقتصادي نتيجة انقطاع الرواتب وتدني فرص العمل، برزت مشاكل أخرى تتمثل في تعقيدات السفر من خلال الطرق الجديدة الواصلة بين المدن اليمنية، والتي طالت وتضاعفت فيها المسافات نتيجة اضطرار المسافرين للعبور في طرق مستحدثة ووعرة.
ولا ينحصر الأمر على المسافرين بين المحافظات والمدن، بل إن المسافرين في نطاق المحافظة والمدينة الواحدة يعانون من صعوبة التنقل بين المناطق، كما هو الحال مع عمرو العريقي الذي يعمل في إحدى الشركات الواقعة في منطقة الحوبان شمالي شرق مدينة تعز.
يؤكد العريقي، في حديثه لـ”المشاهد”، أنه لن يقضي العيد هذا العام مع أسرته التي تسكن في شارع جمال وسط مدينة تعز، على الرغم من أن منطقة عمله تبعد عن منزل الأسرة أقل من 15 كيلومتراً، لكن الانتقال من الحوبان إلى وسط المدينة بات يحتاج أكثر من 5 ساعات، وتكلفة السفر ذهاباً وإياباً أكثر من 15 ألف ريال، من دون التكاليف الأخرى.
ويضيف: “من بداية الحرب والطريق الرئيسي بين وسط المدينة والحوبان مقطوع، وكان يكلفك مشواراً أو مشوارين بالباص بـ200 ريال، وتحتاج لـ10 دقائق أو ربع ساعة فقط، للوصول من المنزل لمقر العمل، لكن الآن هناك طريق مستحدث يمر من الحوبان إلى الدمنة ومن ثم إلى سائلة الأقروض، وهو طريق ترابي وعر وضيق، ومن ثم قرى الأقروض، وصولاً إلى نجد قسيم ووادي الضباب، لتصل بعدها إلى المدينة، والطريق كذلك مليء بالمخاطر، حيث يتعرض بعض المسافرين للاعتقال في النقاط العسكرية التابعة للحوثيين والحكومة، وتفتيش للتلفونات ومضايقات، وأحياناً يكون هناك اشتباكات، ويتعرض الطريق للقطع واحتجاز الركاب، ولذا قررت أن أقضي العيد هنا تجنباً للمخاطر، وتوفيراً للتكاليف الباهظة للسفر”.

توقف الرواتب وانهيار العملة وانخفاض القيمة الشرائية لها، بالإضافة إلى الارتفاع الجنوني في أسعار المشتقات النفطية، من ضمن الأسباب التي ضاعفت تكلفة أجرة السفر بين المدن والمناطق اليمنية، وجعلت من السفر حلماً يراود المواطن اليمني الذي بات لا يسافر من محافظة إلى أخرى إلا عند الضرورة القصوى.

مخاطر أمنية

توقف الرواتب وانهيار العملة وانخفاض القيمة الشرائية لها، بالإضافة إلى الارتفاع الجنوني في أسعار المشتقات النفطية، من ضمن الأسباب التي ضاعفت تكلفة أجرة السفر بين المدن والمناطق اليمنية، وجعلت من السفر حلماً يراود المواطن اليمني الذي بات لا يسافر من محافظة إلى أخرى إلا عند الضرورة القصوى.
أضف لذلك المخاطر الأمنية التي تتهدد المسافرين في النقاط العسكرية التابعة للحوثيين أو المحسوبة على الحكومة والمجلس الانتقالي الجنوبي، حيث يتعرض معظم المسافرين، وبخاصة في أيام الأعياد، للاعتقال في النقاط الأمنية، ليتم الإفراج عنهم مقابل فدية مالية، وقد يتم تلفيق أية تهمة بسيطة بغرض الاعتقال، مثل وجود رقم هاتف أو صورة أو مقطع فيديو في الجوال، أو الاعتقال بسبب الهوية أو منطقة الميلاد أو اللقب.
وقد تضاءلت في السنوات الأخيرة نسبة المسافرين الذين يعودون إلى قراهم لقضاء إجازة العيد، مع تزايد المخاطر التي يتعرضون لها، حيث إن المسلحين التابعين للجماعات المسلحة يجدون في المسافرين مصدراً للارتزاق من خلال ابتزازهم وأخذ جبايات مالية تحت تهديد السلاح، أو اعتقال بعض المسافرين، ومن ثم الإفراج عنهم مقابل فدية مالية، ولهذا بات الكثير يفضلون قضاء إجازة العيد في أماكن عملهم تجنباً لمثل هذه المخاطر.
عبدالسلام أحمد، يعمل سائق حافلة في خط صنعاء – تعز، قاللـ”المشاهد” إن “عدد المسافرين خلال أيام العيد يكاد يكون مساوياً للأيام العادية، حيث لم تعد الأسر تسافر إلى القرى لتقضي إجازة العيد كما كان قبل الحرب، والسبب يتمثل في زيادة التكاليف المالية وطول الطريق وزيادة المخاطر”.
ويضيف عبدالسلام أن “الحرب جعلت المواطنين يحجمون عن الانتقال من مدينة إلى أخرى إلا للضرورة القصوى، وأن معظم المسافرين، بخاصة الذين يسافرون من مناطق الحكومة إلى مناطق سيطرة الحوثيين أو العكس، يحرصون على فرمتة تلفوناتهم وحذف الأرقام والصور أو ترك الهواتف الذكية واستبدالها بهواتف عادية، تجنباً للاعتقال، كما يحرص الكثير من المواطنين على السفر بصحبة النساء، لأن السيارات التي فيها نساء تتعرض لمضايقات أقل مقارنة بالسيارات التي يكون كل المسافرين فيها رجال”.
وأمام تزايد المعوقات والمخاطر التي تحول دون سفر اليمنيين إلى مدنهم وقراهم لقضاء إجازة العيد بصحبة الأهل والأقارب، وفي أجواء اجتماعية تفيض بالمحبة والوئام، يأمل اليمنيون أن تنتهي الحرب ويسود السلام كل أرجاء اليمن، ليجتمع شمل اليمنيين من جديد بعد سنوات الحرب والتمزق.

المصدر: المشاهد 

نسعد بمشاركتك
إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص